خديعة المفاوضات أم خديعة الجوار؟ عندما تخطئ الصواريخ الإيرانية طريقها

في عالم السياسة، لا تُبنى التحالفات على النوايا الطيبة، ولا تُقاس النجاحات بالخطابات الرنانة، بل بالقدرة على قراءة موازين القوى وتحديد “سقف التوقعات” الذي يفصل بين الممكن والمستحيل.
غير أن ما نشهده اليوم في السلوك السياسي الإيراني يتجاوز حدود “المناورة” ليدخل في نفق “الخديعة”؛
ليس تلك التي تدعي طهران أن واشنطن مارستها ضدها، بل تلك التي تمارسها طهران اليوم ضد جيرانها الذين لم يدخروا جهداً في مد يد العون لها وقت الشدة.
بين “سقف التفاوض” و”خيار القوة”
تتعالى الأصوات في طهران مؤخراً للحديث عن “خديعة أمريكية” تكررت مرتين؛ الأولى في عام 2025 حين استهدفت واشنطن المفاعلات النووية الإيرانية أثناء سير المفاوضات، والثانية في مطلع العام الجاري 2026 بحملة عسكرية مستمرة شاركت فيها إسرائيل. والحقيقة التي يتغافلها العقل السياسي في طهران هي أن “المفاوضات” ليست صكاً للأمان المطلق، بل هي محاولة للوصول إلى حل توافقي.
عندما يأتي المفاوض الإيراني بسقف مطالب يتجاوز الواقع من وجهة النظر الامريكية، ويصطدم بالرؤية الأمريكية وهي الدولة الأقوى عسكرياً، فإن اللجوء للقوة يصبح -في العرف السياسي البحت- وسيلة لإضعاف الموقف السياسي للخصم وإجباره على التنازل. قد نختلف مع أخلاقية هذا التصرف و نستنكره، لكننا لا يمكن أن ننكر منطقه في صراع القوى العظمى.
البوصلة التائهة: لماذا الخليج؟
إن كان الصراع مع أمريكا وإسرائيل مفهوماً في سياقه الجيوسياسي، كما نتفهم بشدة رد إيران على اسرائيل و كذلك الدفاع عن نفسها ضد القوات المهاجمة، فإن ما لا يمكن فهمه -لا سياسةً ولا ديناً ولا جيرةً- هو أن يكون الرد الإيراني على الضربات الأمريكية باستهداف العواصم الخليجية.
لقد وجهت طهران صواريخها ومسيراتها نحو صدور أشقائها وجيرانها؛ نحو المملكة العربية السعودية، الشقيقة الكبرى التي لطالما قادت مساعي التوافق و حسن الجوار خاصة في الفترة الاخيرة، ونحو الإمارات العربية المتحدة التي كانت رئة إيران الاقتصادية لعقود، ونحو الكويت التي كانت دائما الجار الحسن وعُمان اللتي لم تتوقف عن لعب دور الوسيط الصادق خاصة في المفاوضات الاخيرة.
قطر.. من “الاحتواء المزدوج” إلى “منع الضربة”
ولعل النموذج القطري يجسد ذروة هذا “النكران” الإيراني. فالتاريخ يذكر أن أمير قطر السابق، اثناء زيارته الشهيرة لواشنطن في عام 1996، كان المحامي الشرس الذي حاول ثني الإدارة الأمريكية عن سياسة “الاحتواء المزدوج” التي استهدفت خنق إيران والعراق معاً.
هذا النهج القطري الداعم للحوار لم يتوقف، بل تجلى بوضوح خلال زيارة الرئيس الأمريكي السابقة دونالد ترامب التاريخية إلى الدوحة في 14 مايو 2025. حينها، صرح ترامب علانية بأن على القادة الإيرانيين “شكر أمير قطر” لأنه كان حائط الصد الذي منع توجيه ضربة قاصمة لإيران في ذلك الوقت.
فكيف يكون الرد الإيراني اليوم؟ استهداف للمنطقة التي كانت ملاذاً دبلوماسياً لها!و استهداف مراكز خدمات الشعوب و مقدرات الاقتصادية
الخسارة الكبرى
لقد خسرت إيران بهذه التصرفات “رصيد التعاطف” الشعبي والسياسي في الخليج. فبينما كانت الشعوب الخليجية تنظر بعين الأخوة والجيرة لإيران في صراعها مع القوى الخارجية، أثبتت طهران بهذه الضربات أنها تشتكي من “خديعة المفاوضات” لتمارس هي “خديعة الجوار”.
إن دول مجلس التعاون الخليجي، التي سعت أكثر من أي وقت مضى لرأب الصدع بينها و بين ايران التي كانت لها اطماع في المنطقة و سياسات عدائية، تجد نفسها اليوم أمام جار يوجه سلاحه للجهة الخاطئة. إنها الحقيقة المرة:
طهران لم تُخدع في واشنطن، بل خدعت نفسها حين ظنت أن ترهيب الجيران هو الطريق للنجاة من الخصوم.
و ان إيذاء الصديق يضر العدو و ان هدم المعبد على رؤوس الجميع اهم من النجاة.




شكراً جزيلاً لكم أخي العزيز سعادة الشيخ الدكتور الكاتب الكبير محمد بن أحمد آل حامد بن غنيم المرواني الجهني
لقد وفيت وكفيت وشرحت واوضحت واقع الحال وأسباب ومسببات هذه الحرب لك منا خالص الشكر والتقدير والعرفان والامتنان لقد أصبحنا ننتظر مقالاتك المميزة بفارغ الصبر
حيث أنها تكشف لنا نحن المتابعين الكثير من الجوانب التي
لم نكن نعلمها قبل قراءة مقالاتك الرائعة التي تنقل لنا حقيقة جميع المواقف وكافة التداعيات المتعلقه بهذه الأحداث بكل شفافيه ومصداقية ووضوح
لا نملك إلا شكركم على هذا الطرح الجميل ونرجوا لكم دوام التوفيق والسداد ودمتم بخير .