اجترار التصادم: استحضار الخلافات السابقة عند الغضب

في العلاقات الإنسانية، لا مهرب من التصادم. نعيش ونُخالط، نختلف ونتجادل، لأننا ببساطة لسنا نسخًا مكرّرة من بعضنا البعض. ومن الطبيعي أن يتباين فهمنا للأشياء، وتتباعد رؤانا، وتتعارض قراراتنا أحيانًا.
والحياة، على اتساعها، لا تخلو من لحظات شدّ، من مواقف احتكاك، من خلافات صغيرة أو كبيرة، وكل ذلك لا يعيب العلاقة، بل يُعبّر عن حيويّتها.
غالبًا ما تنتهي هذه الخلافات كما بدأت: بكلمة طيبة، أو لحظة صمت، أو بنظرة تسامح، أو حتى بمجرد مرور الوقت.
لكن غير الطبيعي، بل المقلق، هو أن نُصادف من يُعطّل هذه الطبيعة. من يختار عند كل خلاف جديد ألا يناقش ما حدث، بل يفتح أبواب الماضي دفعة واحدة، مستحضرًا كل خلاف قديم، وكل موقف مضى، في اجترار مرهق لا علاقة له بالحاضر.
إنه نمط من السلوك يتكرر لدى بعض الشخصيات التي تعجز عن إدارة الانفعال بعقل، فتُفرغه على هيئة أرشيف اتهامات. لا لأن الخلاف يستدعي ذلك، بل لأن الغضب عندهم ليس مجرد ردة فعل، بل صندوقًا يُفتح بكل ما فيه.
حين يحدث هذا، لا تعود المسألة مجرد خلاف عابر، بل تتحول إلى محاكمة ماضية مفتوحة، بلا مرافعات، بلا دفاع، بلا منطق. ويبدو الطرف الآخر وكأنه متهمٌ دائم، عليه في كل مرة أن يواجه “ذاكرة مشحونة”، لا علاقة لها بما حصل، بل بما تراكم ولم يُحلّ.
هذا السلوك، وإن غُلّف برداء الغضب، يكشف عن أعماق هشّة.
فمن يستحضر الخلافات القديمة في كل مواجهة جديدة:
يبعث برسالة تقول: “أنا لا أُسامح”، حتى وإن تظاهر بالنسيان.
يُسقط معنى كل تفاهم سابق، ويجعل من أي تصالح مؤقتًا هشًّا.
يُخيف الطرف الآخر من الحوار، لأنه يعلم أنه سيُحاسَب ليس على اللحظة، بل على تاريخه كلّه.
وما هو أخطر من ذلك، أن هذا النمط يُشير إلى شخص يهرب من الحاضر.
فهو لا يملك أدوات المواجهة الهادئة، ولا يثق في قدرته على إقناع أو شرح أو تفاوض، فيختار سلاح الماضي. والماضي حين يُستخدم كسلاح لا يُصلح شيئًا، بل يُخرّب كل شيء.
كثيرًا ما يُذكّرني هذا السلوك بمفهوم عسكري يُعرف بـ”استثمار النصر”. ففي الحرب، حين تنتصر، تُعمّق مكاسبك وتُوسّع نفوذك.
أما في العلاقات، فالبعض وللأسف يُمارس “استثمار الخلاف”، يستغل لحظة الانكسار أو التصادم، ليُخرج ما اختزنه في صدره، ليس للحل، بل للضغط، للتشويه، للانتصار الزائف.
وهنا نتساءل:
هل هذا هو النموذج السويّ لعلاقة إنسانية؟
هل بهذا نُعبّر عن احترامنا للآخر؟ لأنفسنا؟ لعقلنا؟
أليس الأجدر بنا أن نواجه كل موقف في لحظته، بعقل بارد، لا بذاكرة ساخنة؟
الخلاف لا يُحل باجترار الخلافات، ولا بالعقاب العاطفي، ولا بتحويل العلاقة إلى ساحة حساب قديم.
بل يُحل بالمصارحة، وبالمسامحة، وبقدرة الإنسان على أن يكون أكبر من لحظة الغضب، وأكبر من الأذى القديم.
فلنتعلم أن نطوي ما مضى، لا أن نحمله على ظهورنا.
وأن نُفرّق بين من أخطأ اليوم، ومن أخطأ منذ عام وتاب.
وأن نحترم الاتفاق، ونُغلق الملفات، ونفتح باب الحوار من جديد.
عش بقلب أبيض. لا تكن سجّانًا لمن أحبك.
ولا تَسجن نفسك في ماضٍ لا يعود.
اجعل كرامتك في سلوكك، لا في صراخك.
وكن في كل خلاف، نقطة نور… لا شرارة حريق.



بارك الله فيك ونفع الله بك وبعلمك أخي العزيز
سعادة الشيخ الدكتور محمد بن أحمد بن غنيم
المرواني الجهني يتواصل تدفق هطول قلمك الذهبي
بالابداع والامتاع حد النخاع وفي كل مقال تمنحنا
درس من دروس الحياة المهمة وتجعلنا نحصل على
فائدة بل حزمة من الفوائد النفيسة وبالمجـان ونحن
لانستغرب من شخصكم الكريم هذا العطاء أنت من
الرجال النبلاء الكرماء الأنقياء الأوفياء الباذلين للخير
بكل الحب والسخاء لذلك لا نملك لكم إلا صادق الدعاء
بطول العمر والبقاء