زمن المادّة و طاقة الثراء: حين تحوّل المال إلى مبدأ والقيم إلى ذكرى

كان الإنسان في زمنٍ مضى يعيش بمبادئه، ويكسب رزقه بعرق جبينه.
كان الصدق والأمانة والوفاء هي القاعدة، والمال نتيجة طبيعية لتلك المبادئ.
كانت الحياة بسيطة، والضمير هو المرشد، والمبدأ هو الثابت الذي لا يتزعزع في غالب الوقت و لدى عامة الناس.
لكن اليوم، تغيّر العالم، وانقلبت الموازين.
أصبح المال هو المبدأ، والوسائل مجرد تفاصيل تُبرّر لتحقيق المكسب، حتى لو كانت سرقة أو خداعًا.
أصبح السارق يرى أن ما أخذَه حقه، وأنك إذا طالبت به، ستصبح عدوه الأول، وستدخل في حالة من الذعر والارتباك أمام جرأة من يسرقك ويبرّر فعلته، و هنا نتكلم عن السرقة بطريقة الخداع و الغش و الاحتيال و في الغالب من شخص تعرفه او حتى شخص تثق فيه .
الأصدقاء، الذين كانوا يومًا سندًا ورفقة، أصبحوا يحتالون على بعضهم بعضًا.
يترصّدون نجاحات بعضهم، يتسلّلون إلى أسرارهم، لا ليهتمّوا أو يساعدوا، بل ليبتكروا طرقًا للانتفاع على حساب الوفاء وباساليب الخداع انطلاقا من الثقة المستغلة بطريقة بشعة ،
والأقارب، الذين يفترض أن يكونوا حماية وحبًّا، صار بعضهم يرسمون القصص والمشاكل، ليس لمصلحة حقيقية أو حاجة، بل لجذب مال قريبهم أو صديقهم.
أصبحت القرابة تجارة، والمودّة وسيلة، والنية الصافية عملة نادرة في زمن أصبح فيه الطمع أقوى من الحب، والمصلحة أقوى من الضمير.
في الشوارع والمنازل، في المكاتب والأسواق، ترى الطمع يسري في كل زاوية من حياة الناس.
صار الوفاء يُقاس بالقيمة، والحبّ بالمصلحة، والمبدأ بالمكسب.
صارت العاطفة مجرد وسيلة، والقلب آلة لحساب الأرباح والخسائر، والضمير يُقايض بالمال في أغلب الحالات.
والأسوأ أن الناس لم يعودوا يميزون بين الحق والباطل، بين الحلال والحرام، بين الصواب والخطأ.
صارت الحياة تُقاس بعدد الأصفار في الحساب البنكي، لا بعدد القيم التي يحملها الإنسان في قلبه.
كل شيء أصبح قابلًا للشراء، حتى المبادئ، و أصبحت الفتيات تقفن أمام المنتجات الثمينة و الماركات النفيسة لتاخذن منها بدعة جديدة اسمينها طاقة الثراء، و أصبحت كل فتاة من هؤلاء تحدث نفسها امام المرآة و تقول انا استحق الزواج من ملياردير انا استحق ان اكون ثرية بدون اي مجهود و لا أخذا بالاسباب و لا استحقاق في محله بل وهم جديد ظهر في عقول الفتيات اشبه بمرض الهلوسة و الخرف المبكر
ورغم كل هذا، هناك من لم يبيع ضميره بعد.
قلوب صادقة لا تزال تحارب الطمع، وعقول تدرك أن الإنسان بلا مبدأ ليس أكثر من جسد يبحث عن المال بلا روح.
إنها معركة يومية بين ما هو مادي وما هو إنساني، بين الطمع والوفاء، بين القلب والحساب.
في زمن باع فيه الناس كل شيء، يبقى الأمل في القلوب النقية، التي لم تُفسد بعد، وفي الأرواح التي تدرك أن الحياة بدون مبادئ ليست حياة، بل مجرد بقاء جسد على الارض.


سعادة الأخ العزيز والصديق الوفي والرجل النبيل والكاتب المميز والمتألق دائماً الشيخ محمد بن أحمد بن غنيم المرواني الجهني ولعلنا في كل مره نطالع فيها مقالاتك المميزة التي تلامس شغاف القلب وتحاكي واقع الحال المعاش وتصور معاناتنا وهمومنا وكأنك تتحدث بالإنابة عنا
وتترجم احاسيسنا ومشاعرنا التي لم نستطع صياغتها والتعبير عنها لتقوم بما لانستطيع القيام به وتلوح مانود البوح به وكم هو جميل أن تجد كاتب يعيش معاناة العامة ويتوغل في أعماقهم ويتجاذب معهم أطراف وهذا ماعهدناه وتعودنا عليه منذ زمنٍ طويل
نسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد أيها الكاتب القدير
والشيخ الكريم والرمز الشامخ ونفع الله بك وبعلمك
ودمت بخير وصحة وعافيه
وتقبل خالص تحياتي ومودتي وتقديري .
أخوك :
ناصر بن عليثه المحياوي الجهني