كُتاب المقالات

المتقاعد في المجتمع: من العطاء الوظيفي إلى الشراكة المجتمعية

بقلم / أ. محمد آل مشافع -

يُعدّ المتقاعد في أي مجتمع ركيزة من ركائزه الأصيلة، فهو ذلك الإنسان الذي أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه، وبذل جهده ووقته في سبيل بنائه ونهضته. والمتقاعد الغالي هو من كان شريكًا حقيقيًا في مسيرة التنمية، ساهم في ترسيخ دعائم الوطن، وأدى مهامه الوظيفية بإخلاص، كما أدى دوره الأسري والتربوي بإتقان؛ فغرس في أبنائه القيم، وربّاهم على محبة الله أولًا، ثم الولاء للقيادة والانتماء للوطن. إن هذا النموذج يمثل ثروة بشرية لا يمكن إغفالها أو التقليل من أثرها.

ومع أن التقاعد يمثل نهاية مرحلة وظيفية، إلا أنه ليس نهاية العطاء، بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة من الحياة. فقد بذل المتقاعد ما يقارب ثلثي عمره في الكفاح والعمل، مما يستدعي من المجتمع أن يكون شريكًا في صناعة الثلث الأخير من حياته بصورة أكثر إشراقًا وكرامة. ولا يقتصر الحديث هنا على الخدمات الحكومية، إذ إن الدولة – أيدها الله – لم تألُ جهدًا في توفير سبل العيش الكريم للمتقاعدين، بل يتجاوز ذلك إلى الدور المجتمعي، حيث ينبغي توفير بيئة إنسانية واجتماعية حاضنة، تتيح للمتقاعد أن يعيش بين أفراد مجتمعه مشاركًا في أفراحهم وأتراحهم، ومساهمًا بخبراته في تنميتهم.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لجمعيات المتقاعدين، التي تمثل إحدى الأدوات الفاعلة في تحقيق هذا الهدف. ورغم الجهود التي تبذلها بعض هذه الجمعيات، إلا أنها لا تزال دون المستوى المأمول، سواء من حيث الانتشار أو جودة البرامج المقدمة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دعم هذه الجمعيات وتفعيل دورها بشكل أكبر، بما يتناسب مع مكانة هذه الفئة وأهميتها.

ومن منطلق المسؤولية التنموية، فإن التطلع يتجه إلى هيئة تطوير منطقة عسير، التي تقود جهودًا متواصلة للنهوض بالمنطقة، بأن تتبنى مبادرات نوعية تهدف إلى إنشاء جمعيات متخصصة للمتقاعدين في مختلف محافظات منطقة عسير، مع تقديم الدعم المؤسسي لها، وتعزيز التنافس الإيجابي بينها. ولا شك أن مثل هذه المبادرات ستسهم في تنمية المجتمع المحلي، وخلق نماذج رائدة على مستوى المملكة العربية السعودية، تقدم خدمات مبتكرة للمتقاعدين، وتعيد توظيف خبراتهم بما يخدم المجتمع.

إن المتقاعد ليس فردًا خارج دائرة الإنتاج، بل هو مخزون من الخبرات المتراكمة في مختلف المجالات. فقد واجه خلال مسيرته العملية تحديات متعددة، واكتسب مهارات ومعارف ثمينة، يمكن الاستفادة منها في تقديم الاستشارات، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، والمساهمة في إعداد الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن استثمار هذه الطاقات يمثل أحد أهم مسارات التنمية المستدامة.

كما أن المتقاعد يحتاج إلى بيئة مكانية مناسبة، تتمثل في وجود مقرات أو أندية أو ملتقيات ثابتة داخل المحافظات، يقضي فيها وقته، ويجد من خلالها التقدير والانتماء. فمثل هذه المواقع لا تعزز فقط الجانب الاجتماعي، بل تنعكس إيجابيًا على الصحة النفسية والجسدية، وتسهم في بناء مجتمع متماسك ومتوازن.

وفي الختام، يبقى التأكيد على أن الدولة – حفظها الله – قامت بدور كبير في رعاية المتقاعدين، غير أن المسؤولية لا تكتمل إلا بتفعيل الدور المجتمعي، الذي يجب أن يكون موازيًا ومساندًا. فالمتقاعد الغالي يستحق منا جميعًا أن نصنع له حياة كريمة في مرحلته الجديدة، تليق بما قدمه، وتستثمر ما يملكه من خبرة وعطاء. فهل نشهد قريبًا مبادرات نوعية تحقق هذا الطموح، وتجعل من رعاية المتقاعدين نموذجًا يُحتذى به؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com